عبد الله بن أحمد النسفي
223
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 8 إلى 11 ] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 11 ) ما لم يجعل لهم إليه سبيلا ، ويعضده قراءة أبي ويقول الراسخون ، وعبد اللّه إن تأويله إلا عند اللّه ، ومنهم من لا يقف عليه ويقول بأنّ الراسخين في العلم يعلمون المتشابه ، ويقولون كلام مستأنف موضح لحال الراسخين ، بمعنى هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به أي بالمتشابه أو بالكتاب كُلٌّ من متشابهه ومحكمه مِنْ عِنْدِ رَبِّنا من عند اللّه الحكيم الذي لا يتناقض كلامه وَما يَذَّكَّرُ وما يتعظ ، وأصله يتذكر إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أصحاب العقول ، وهو مدح للراسخين بإلقاء الذهن وحسن التأمل ، وقيل يقولون حال من الراسخين . 8 - رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا لا تملها عن الحقّ بخلق الميل في القلوب بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا للعمل بالمحكم والتسليم للمتشابه وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً من عندك نعمة بالتوفيق والتثبيت إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ كثير الهبة ، والآية من مقول الراسخين ، ويحتمله الاستئناف أي قولوها ، وكذلك التي بعدها وهي : 9 - رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ أي تجمعهم لحساب يوم ، أو لجزاء يوم لا رَيْبَ فِيهِ لا شكّ في وقوعه إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ الموعد ، والمعنى أنّ الإلهية تنافي خلف الميعاد ، كقولك إنّ الجواد لا يخيب سائله ، أي لا يخلف ما وعد المسلمين والكافرين من الثواب والعقاب . 10 - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا برسول اللّه لَنْ تُغْنِيَ تنفع أو تدفع عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ من عذابه شَيْئاً من الإغناء « 1 » وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ حطبها . 11 - كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ الدّأب مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه ، فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله ، والكاف مرفوع المحل تقديره دأب هؤلاء الكفرة في تكذيب الحقّ كدأب من قبلهم من آل فرعون وغيرهم ،
--> ( 1 ) في ( ز ) من الأشياء .